مصطفى صادق الرافعي

194

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

فصل البلاغة النبوية « 1 » هذه هي البلاغة الإنسانية التي سجدت الأفكار لآيتها ، وحسرت العقول دون غايتها ، لم تصنع وهي من الإحكام كأنها مصنوعة ، ولم يتكلف لها وهي على السهولة بعيدة ممنوعة . ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه ، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه ، فهي إن لم تكن من الوحي ولكنها جاءت من سبيله وإن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله ، محكمة الفصول ، حتى ليس فيها عروة مفصولة ، محذوفة الفضول ، حتى ليس فيها كلمة مفضولة . وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم ، وإنما هي في سموها وإجادتها مظهر من خواطره صلّى اللّه عليه وسلم . إن خرجت في الموعظة قلت أنين من فؤاد مقروح ، وإن راعت بالحكمة قلت صورة بشرية من الروح في منزع يلين فينفر بالدموع ويشتد فينزو بالدماء ، وإذا أراك القرآن أنه خطاب السماء للأرض أراك هذا أنه كلام الأرض بعد السماء . وهي البلاغة النبوية ، تعرف الحقيقة فيها كأنها فكر صريح من أفكار الخليقة ؛ وتجيء بالمجاز الغريب فترى من غرابته أنه مجاز في حقيقة . وهي من البيان في إيجاز تتردد فيه « عين » البليغ فتعرفه مع إيجاز القرآن فرعين ؛ فمن رآه غير قريب من ذلك الإعجاز فليعلم أنه لم يلحق به هذه « العين » « 2 » . على أنه سواء في سهولة إطماعه ؛ وفي صعوبة امتناعه إن أخذ أبلغ الناس في ناحيته ، لم يأخذ بناصيته ، وإن أقدم على غير نظر فيه رجع مبصرا ، وإن جرى في معارضته انتهى مقصرا . فصاحته صلّى اللّه عليه وسلم سنقول في هذا الباب بما يحضرنا من جملة القول ، لا نسترسل في الاتساع ولا نبسط كله ، كما أننا لا نقف دون القصد ، ولا ننكل عن الغرض الذي يتعلق بكتابنا ، فإنا لو ذهبنا نستقصي في الكلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ونشأته وأدبه وأثره في العرب وفي

--> ( 1 ) يقول مصححه : وللمؤلف حديث آخر عن البلاغة النبوية تناوله من غير هذا الوجه ، في الجزء الثالث من كتاب « وحي القلم » . ( 2 ) فليعلم هذا الناظر أنه غير بليغ ، وإذا جعلت بدل الياء في لفظ ( الإيجاز ) عينا صار ( الإعجاز ) ، فالتورية ظاهرة في « العين » .